خير الدين التونسي

22

أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك

ولعلّ الأهمّ في هذا الكتاب مقدّمته « 2 » إذ كانت برنامجا إصلاحيا لا لوضع تونس فقط ، تلك البلاد التي كانت في منتصف القرن التاسع عشر على حدّ تعبير ابن أبي الضياف في إتحافه : « فقيرة حسّا ومعنى » بل لكامل الأمبراطورية العثمانية « ذلك الرجل المريض » على حدّ تعبير أوروبا المستعمرة آنذاك والتي كانت متردّدة في شأنه بين عقيدتين سياسيتين : إمّا الحفاظ على كيانه لحين مع توفير بعض « التنظيمات » إذ كان يحمي الطريق الموصلة إلى مستعمرات الهند ويضمن سوقا تجارية ممتازة ، وإمّا التعجيل باقتسام أشلائه بإثارة الحميّة القوميّة لعدد كبير من الشعوب النصرانية المنضوية تحت لوائه « 3 » . فظهور هذا الكتاب في تلك السنة بالذات ، 1867 ، يضفي عليه إذن أهميّة بالغة . فهو - إن نظرنا إليه من زاوية البلاد التونسية - يعتبر نتاج تجربة تونسية بحتة - من قبل مسؤول سياسي تونسي - في بلاد متأزّمة جرّبت النظام الدستوري سنة 1857 بإعلان عهد الأمان ، وسنة 1861 بإعلان الدستور وتخلت عنه عند اندلاع ثورة شعبية فلاحية عارمة سنة 1864 وهي ثورة علي بن غذاهم ، ممّا جعل هذا المفكّر الإصلاحي - وهو في عنفوان النشاط والنضج إذ كان في الخامسة والأربعين من عمره عند تحريره - يستخلص العبر ويتحفّز لتصميم برنامج إصلاحي واقعي ستمكّنه الظروف من إنجاز قسط وافر منه لمّا يتقلّد الحكم من جديد ابتداء من سنة 1869 إلى سنة 1877 باعتباره رئيسا للكومسيون المالي ثمّ وزيرا مباشرا وأخيرا وزيرا أكبر . وإن نحن نظرنا إلى أقوم المسالك من زاوية الخلافة العثمانية وصلتها بأوروبا وجدنا أن هذا الأثر يعتبر معلما هامّا في تاريخ المسألة الشرقية التي بلغت أوج التّأزّم إثر خصومة محمّد علي المصري مع تركيا وإعلان التنظيمات الخيرية سنة 1839 ثمّ مع ظهور حركة العثمانيين الجدد سنة 1865 .

--> ( 2 ) لذلك بادرنا بإخراج الطبعة الأولى للمقدّمة [ عن الطبعة الأصلية ] وذلك سنة 1972 . ( 3 ) حرب اليونان وواقعة نافرين 1827 - حرب موسكو : 1854 - 1856 .